حزب الحركة الوطنية التركمانية
Türkmen Milli Hareket Partisi
عصب الثورة الضائع في «هوى الحرية»
حرر الخبر في تاريخ : 2014-07-11

عصب الثورة الضائع في «هوى الحرية»

استضاف مهرجان «لايف» اللندني المسرحية المصرية «هوى الحرية» بعدما عرضت في القاهرة، وهي من بطولة زينب مجدي والممثلة السورية ناندا محمد وإخراج ليلى سليمان، ويأتي هذا العرض ضمن عروض «دروس في الثورة « التي باشرت بها في العام 2011، في أعقاب الثورة المصرية.
وإذا كان «دروس في الثورات» قد اهتم بصورة رئيسة بتوثيق شهادات حية من المشاركين في الثورة، فإنّ «هوى الحرية» يعود إلى التاريخ، وتحديداً إلى السنوات التي أدت إلى اندلاع ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول ضد الاحتلال الإنكليزي.
لجأت ليلى سليمان في العرض الذي أقيم بمناسبة مئوية الحرب العالمية الأولى التي أجبر المصريون على المشاركة فيها بعيداً من جبهات القتال المباشر، وقد أهدته إلى كلّ المسجونين لدمج مسارين مختلفين: الأول هو المسار التسجيلي الخاص بالفترة التاريخية التي تقاربها في الماضي، والثاني مسار الحكي الشفهي الذي يقارب المسار الراهن للثورة المصرية. وقد تجاوزت سليمان الإطار المصري في عملها عبر دمج اللحظة السورية من خلال حكاية الممثلة ناندا محمد ما يحدث في بلادها، بموازاة ما ترويه زينب مجدي عن واقع مصر. هكذا، انتهى الأمر إلى عملية توليف ذكية اعتمدت على «أرشيفيات» مختلفة كان الصوت الموسيقي بطلاً رئيساً فيها، بفضل ما أتاحه الباحث الموسيقي مصطفى سعيد من مواد وأغنيات مجهولة غذت المحتوى الذي سعى النص إلى بلوغه. واستثمر التاريخ المدون عن الحالة الحيوية التي عاشها المسرح المصري خلال تلك السنوات والتي أحدثت بدورها ثورة موازية.
يبدأ العرض المفتون بمجاز الواقع في قاعة صغيرة، فتظهر ناندا محمد وهي تقوم برصّ العديد من الصناديق التي تحتوي أوراقاً وصوراً ورسائل إلى أن تضع إلى جوارها جهاز «فونوغراف « قديم لتشغيل الأسطوانات التي جمعتها من بائع تحف قديمة، وفيها واحدة من أسطوانات المغنية المصرية المجهولة نعيمة المصرية. إنها فنانة قدمت أغنيات سيد درويش، لكنها لم تحظ بشهرة كتلك التي نالتها معاصراتها الأخريات أمثال منيرة المهدية وأم كلثوم. وهذا سؤال ينطلق منه العرض بحثاً عن إجابة تقود خطابه: «من يكتب التاريخ؟ ومن يصنعه؟ ومن يصنع لنا الذاكرة إجمالا؟ «. لكنّ السؤال يكتسب قيمة مضافة بإحالته إلى اللحظة المعاصرة، حيث يجري التلاعب في الذاكرة اليومية والإصرار على تضارب الروايات لكي يتأكد التباس الواقع. علماً بأنّ المخرجة تعرف أن الخطر الذي يواجه الراهن لا تمكن معرفة مقداره إلا في المستقبل، لذلك تختار أن تنتقل إلى المصرية زينب مجدي التي تعمل على بحث في شأن أغنيات تلك الفترة، وتتلقى رسالة كتبها صديق لها في المعتقل بالإنكليزي، وهو لا يتساءل فيها عما أنجزته الثورة التي اندلعت في يناير 2011 فقط، وإنما عن قيمة ما أنجزته ثورة 1919. هكذا يبقى السؤال الأعمق: لماذا تعثرت المسارات وصرنا نفتقر إلى قيمة التراكم، كأن ما جرى هو بناء في الفراغ؟ ولماذا تلتبس الرؤى؟ السؤال الذي تلح عليه ناندا محمد في روايتها لما يجرى في سورية حيث المشهد أكثر تعقيداً من الوصول فيه إلى قناعات نهائية.
ويشير النص أيضاً إلى أن الأرشيفات الجماعية تعاني ما تعانيه الذاكرة لأنها تمتلئ مثلها بالفجوات التي يسعى العرض إلى ترميمها بصناعة «رواية بديلة»، فالتاريخ كما يتجلى اليوم هو صراع سرديات تغيب عن معنى الحقيقة، لانّ المجد للمجاز. ولكن ما يمكن التحفظ عنه هو كمية الأحكام التي يقدمها العرض بشأن ما هو متاح وماهو محجوب عن وقائع ثورة 1919، لان الكثير من تلك الأحكام يحتاج إلى مراجعة دار الوثائق القومية قبل إصدارها، كحقيقة بنى عليها صنّاع العرض فرضيته الدرامية، فضلاً عن إشارته غير الدقيقة إلى إهمال المؤرخين لثورة كانت على وشك التحقق في العام 1917 وبدأت بانتفاضة فلاحية قبل أن تصبح «ثورة منسية».
واللافت في صياغة العرض الذي اعتمد على باحث رئيس هو علياء مسلم، وسرد لبطلتي العرض و «دراماتورج» يلتفت إلى الهامشي والشخصي في مقابل الروايات الرسمية. والعرض استمرار لمنهج «التاريخ من أسفل» الذي شغفت به ليلى سليمان في عرضها السابق. وإضافة إلى هذا الشغف، نجد أنّ الجانب الشخصي هو نقيض للرسمي بصورته الوقورة، ومن ثم تنبغي السخرية منه بالإلحاح على الرواية البديلة التي تلتفت إلى الأوجاع الشخصية على ضآلة تأثيرها في المسار العام. وهي الأوجاع التي تجلت بوضوح في روايات ناندا محمد عن المفقودين في سورية ومن ماتوا في الشتات. إنها روايات طعّمتها بأداء تمثيلي منضبط يقبض على أوتار الشجن من دون أن يدعها تفيض بالميلودراما. أداء اعتمد على مونولوغات شخصية واتسم بالتفرد ومراوحة ما بين التمثيل والأداء التطريبي الذي أذهل الجمهور المصري الذي يشاهد ناندا للمرة الأولى. وبالمثل اتسم أداء زينب مجدي بالوقار والحيوية في الوقت نفسه عبر أداء فيه من الصفاء الروحي ما يصعب تفادي تأثيره.
وإذا كان الحاضر يُرى في مرايا التاريخ، فإنّ التاريخ تمكن رؤيته في مرايا الحاضر أيضاً. وبفضل هذه الجدلية نستطيع أن نفهم التقاط الجمهور إشارات ذكية في العرض تجلت من خلال تشغيل أغنية مجهولة عنوانها «مصر يا أم الدينا « بصوت مغنّ مجهول اسمه محمد عوض العربي، وهي أغنية تتماهى تماماً مع الخطاب الذي يكرسه الرئيس السيسي، أو ربما تشير إلى شعارات رافقت بعض لحظات الانكسار في ثورة 1919 حين رفع المتظاهرون شعار «يحيا الهدوء والسكينة»، وهو كذلك شعار يقارب ما يروج له في مصر الآن

نقلا عن الحياة

شاركنا رأيك بشفافية .. سيتم عرض التعليق بعد الموافقة عليه من الادارة




التعليق التاريخ