حزب الحركة الوطنية التركمانية
Türkmen Milli Hareket Partisi
إيران والتبادليّة بين الحالتين السوريّة والعراقيّة
حرر الخبر في تاريخ : 2014-06-30 / الكاتب : غازي دحمان

إيران والتبادليّة بين الحالتين السوريّة والعراقيّة

غازي دحمان ـ العربي الجديد: شكّل مسار الهندسة السياسية للمشروع الإيراني، ببعده العملاني، المذهبي التوسعي التطهيري، نمطاً من ردة فعلٍ موازية له، تجسدت عبر الانفجار الحاصل في سورية والعراق، وحالة الفوضى الكبيرة التي شملت كامل الإقليم، ذلك أن المشروع لم يراعِ الخصوصيات الجغرافية والبشرية والتوازنات المجتمعية المختلفة، إضافة إلى أنه لم يترك هوامش كثيرة، لمحاورته، صراعاً وسلماً، سوى خيار الموت أو الخضوع. 
اعتمد مشروع الهيمنة الإيراني تقنية توظيف مؤسسات الدولة في سورية والعراق، لتنفيذ أجنداته المتمثلة في فرض التشيُّع، ومدّ النفوذ القومي وتغيير التركيبة الديمغرافية. في حين ارتكز المشروع المقاوم على جماعاتٍ أهليةٍ، تنتظم في أطر قتالية متشكلة سريعاً، ذات أهداف آنية، تتمحور حول إخراج نفسها من الدائرة الجهنمية للمشروع الإيراني. وقد أثار الفرق بين الجهتين، واحدة مؤسساتية دولتية، والأخرى أهلية، درجة عالية من اللبس بشأن مدى مشروعيتهما، كما تسعى إيران وحلفاؤها إلى الاستفادة من ذلك الفارق، لنزع الشرعية عن الجبهة المقابلة، وحصر فعاليتها ضمن أطر أدواتها السورية والعراقية.
انطلاقاً من تلك المعطيات، تنطوي الحالتان، السورية والعراقية، على درجة عالية من التبادلية والاعتماد في أكثر من وضع وحالة:
- لوجستياً: تشكل الحالة الناشئة في العراق فرصة للمعارضة السورية، بما توفره من سلاسل توريد جديدة، إضافة إلى إمكانية إضعاف النظام، نتيجة اضطرار الميليشيات العراقية للعودة إلى القتال في العراق، فضلاً عن أن حزب الله، أقوى حلفاء النظام السوري، قد يجد نفسه منخرطاً بواقع جديد، لم يخطط له، سواء عبر زيادة انتشاره في سورية، لسد الفراغ الحاصل فيها، أو لاضطراره إلى تنفيذ مهام قتالية في العراق نفسه. 
- تفكيك سردية محاربة الإرهاب: تفرض الأوضاع الطارئة في العراق إعادة صياغة رواية الحث على مقلبيه السوري والعراقي، وهي إعادة تفرضها كثافة انتشار الحدث على مساحة واسعة من الإقليم، بحيث تفرض على المجتمع الدولي البحث عن جذور الأزمة، بدلاً من اختزال القضية في سردية الحرب على الإرهاب.
- التداخل والتخارج: أوصلت ترتيبات المشروع الإيراني، وضغطه على الأنظمة السياسية في العراق وسورية، إلى حالة الانهيار الراهنة، ذلك أنه لم يكن ممكناً الحفاظ على المصداقية الوطنية للنظامين، في ظل تبعيتهما الإقليمية. كانت تلك واحدةً من الأسباب التي أدت إلى سقوط هيبة النظام السياسي السوري، بعد انكشاف مدى تداخله مع المشروع الإيراني، عبر تحويل عمليات النظام ومخرجاته السياسية، في خدمة ذلك المشروع. وفي العراق، كان الأمر أوضح، بعدما تكشّف بوضوح حجم انخراط النظام السياسي العراقي في المشروع الإيراني، وتحوله إلى جبهةٍ خلفيةٍ للدعم اللوجستي، لإكمال ترتيباته في سورية ولبنان.

- الزلزال الجيوسياسي: الحديث عن زلزال جيوسياسي أحدثته الثورة العراقية، نتيجة تحطيمها الحدود التي رسمها اتفاق سايكس وبيكو، يسلّط الضوء على تاريخية الحدث التي بدأت مع اجتياح الكتائب العراقية واللبنانية والميليشيات الإيرانية حدود البلدين، وقد شكلته حركة النزوح السوري الواسعة، وحالة السيولة الإقليمية والتفريغ السكاني الكبير على طول خط المشروع الإيراني.
- توضيح التحالفات: يسعى الحلف الإيراني إلى تعظيم حزمة المخاطر وتوسيعها، بهدف بناء ما يسمى تحالف “الأمر الواقع”، للدفاع عن بنى مشروعه في سورية والعراق، ويحاول إيهام الأردن والسعودية بأنها مشمولة ضمن دائرة استهداف تنظيم الدولة الإسلامية، “داعش”. وهذا الأمر مستحيل الحصول، لعدم توفر الشروط الموضوعية والمتمثلة بمشروع إيراني إقصائي وإفنائي، وبالتالي استحالة تكوّن حاضنة شعبية لمثل هذا التنظيم في البلدين.
- الاعتراف المتبادل: يتطلب الهجوم المذهبي الإيراني تسمية الأشياء بمسمياتها، والتأكيد على أن السنّة، بكل مكوناتهم السياسية، لن يقبلوا العودة إلى الظروف السيئة التي وقعوا تحت تأثيراتها في السنوات الماضية. ومثلما دفع التهميش والقمع الذي مارسه صدام حسين بالشيعة إلى الاستجارة بالأميركيين، فإن الواقع نفسه يدفع سنّة المنطقة إلى اللجوء إلى الشكل المتديّن في ثورتهم، لمواجهة شيعية ميليشياوية مدعومة إيرانياً. لذا، فإن الاعتراف المتبادل شرط لإقامة سورية والعراق.
- قومية عربية مقابل المشروع الفارسي: في ظل اشتداد الهجمة الإيرانية، بطابعها المذهبي وتوترها القومي، تؤكد ثورة العراق، بامتدادها السوري، على قومية الرد، وعملية إعادة تموضع، بحكم الضرورة. ذلك أن التشكل الجديد الذي يجري الحراك في إطاره لا يعدو كونه كياناً عربياً يمتد على مساحةٍ واسعةٍ، من الأنبار والجزيرة الفراتية، وصولاً إلى حواضر الوسط السوري، ويطرح نفسه بوصفه استجابة الضرورة لصد التمدد الإيراني وقطعه، وجداراً يحمي عروبة المشرق، في وجه هيمنة إيرانية كاسحة.
- بناء إطار موضوعي للتفكير في الحل: تضيف ثورة العراق بعداً جديداً، يتمثل بضرورة التفكير بما يجري في سورية، من أجل احتواء الأزمة التي تعصف بالإقليم كله، عبر البحث عن جذورها ومسبباتها الحقيقية، ما يستدعي فتح مروحةٍ واسعةٍ من الترتيبات والتفاهمات بين الأطراف الفاعلة، لا يقتصر على قضية محاربة الإرهاب، كما تطلب إيران وحلفاؤها، بل يشمل تغيير العمليات السياسية في البلدين، بما يتوافق والديناميات الاجتماعية والسياسية فيهما.
ليس مصادفةً حصول تلك التطورات الدراماتيكية في بنية الحدث العراقي، فعدا عن التغذية الديمغرافية والسياسية بين الساحتين السورية والعراقية، وحالة التداخل الجغرافي، بما يوسّع دائرة المشتركات بينهما، ويفرض نمطاً انسيابياً من الاعتماد والتبادلية، في نقاطٍ كثيرة، فإن الاكتساح الإيراني لهما يمثّل تهديداً وجودياً، يطال ليس الهوية وحسب، وإنما الوجود نفسه