حزب الحركة الوطنية التركمانية
Türkmen Milli Hareket Partisi
الأسد وصدام والقذافي طغوا لأنهم ريفيون!
حرر الخبر في تاريخ : 2014-06-23 / الكاتب : د. أحمد برقاوي

راشد عيسى:القدس العربي

 

                                                                                                                    يحرص المفكر الفلسطيني أحمد برقاوي، رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق حتى وقت متأخر بُعيد اندلاع الثورة السورية، على تفسير سلوك النظام السوري بأن مصدره تحدّر حكّام سوريا خلال الأربعين عاماً الأخيرة من الريف، وبأنهم تالياً أصحاب ذهنية فلاحية ريفية، تشبه تلك التي حكمت في بغداد وطرابلس الغرب واليمن.
لا يكفّ برقاوي عن سَوْق تأكيدات متتالية، على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، من بين أبرزها قوله «توالى على رئاسة سوريا كثيرون. هاشم الأتاسي الليبرالي ونور الدين الأتاسي البعثي، لكن أحداً من آل الأتاسي لم يحصل على أي امتياز جراء ذلك. لم يسمع أحد أن آل القوتلي استغلوا سلطة شكري بك». ثم يضيف «حَكَمَ العسكرُ المدينيون (أديب) الشيشكلي، (حسني) الزعيم و(سامي) الحناوي و(فوزي) سلو، ولم نسمع عن أسرهم أن استغلوا ذلك لأغراضهم. حكم الجنرال البعثي الحلبي أمين الحافظ لم نسمع عن أحد من آل الحافظ له حظوة. أهي المصادفة؟ أم أن العقل المديني هو الذي يفسر ذلك؟ ولكم أن تقارنوا مع الذهنية الفلاحية الريفية التي حكمت بغداد ودمشق وطرابلس وصنعاء».
الحديث عن ترييف المدن، الذي ترافق مع انقلاب البعثيين واستيلائهم على السلطة العام 1963 ليس جديداً بالطبع. لم يتوقف المثقفون السوريون عن تناول الظاهرة في تنظيراتهم وحتى في إبداعاتهم، بل إن من بين أبرز من تناول الظاهرة هم من أبناء الريف أنفسهم. لقد شاعت في الأدب تلك «الصور المتألقة» لاقتحام أبناء الريف للمدن، حتى أن بعض المبدعين، وقد يكون محسوباً ضد النظام وضد انقلاب البعث، وقع في فخّ هجاء المدينة باعتبارها مدينة متوحشة بلا قلب، كما لو أنها نيويورك، وكما لو أن بعض المبدعين يرى في نفسه الشاعر الأمريكي ألن غينسبيرغ، وكأنهم أرادوا أن يكرروا قصيدته الشهيرة «عواء»، مع العلم أن مدننا في معظمها تحتاج إلى المراجعة والبحث حول إمكانية تصنيفها مدناً.
الجديد في كلام برقاوي هو احتفاؤه بالعسكر الذين حكموا سوريا بالانقلابات والدم، حسني الزعيم صاحب أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط والوطن العربي ولم تدم فترة حكمه سوى ثلاثة أشهر قبل أن يطاح به (1949) على يد ضابط آخر هو سامي الحناوي ليعتقل مع رئيس وزرائه محسن البرازي، ويجري إعدامهما. ثم يأتي انقلاب الشيشكلي الذي اعتقل الحناوي وأنصاره بدوره. وهكذا وصولاً إلى انقلاب البعث العام 1963. 
لم يشأ المفكر الفلسطيني-السوري التفكير طويلاً في الأمر، لقد وضع النتيجة سلفاً ثم راح يلمّ ما يسميه التأكيدات على نظريته. أي سلوك مديني في تلك الانقلابات والإعدامات والمحاكم السريعة؟ ثم إن مراجعة سريعة في سِيَر بعض هؤلاء ستكشف فظاعة أو هزل فترات حكمهم. أما أن ذويهم لم يستأثروا بالحكم ولم يحصلوا على امتيازات فليس سببه الزهد بالتأكيد، ألا يحتاج الحاكم لفترة مديدة ووطيدة من الحكم كي نرى أي سلوك سيحكمه ويحكم ذويه في التعامل مع السلطة، كيف سيتم لهم الأمر وبعضهم لم يحكم سوى بضعة أشهر أو سنوات قليلة في أقصى الأحوال؟ 
لن تصمد نظرية برقاوي حول «الذهنية الريفية والفلاحية» طويلاً، هو نفسه سيأتي بتأكيد جديد يهدم ما بناه، أو لنقل ليكشف ما بناه. يقول « في نقاش بيني وبين مدير المعهد الفرنسي في دمشق حول جاك شيراك قال لي: لا تنس أن جاك شيراك لم يتحرر من عقليته الريفية. أجبته: ولكنه ابن باريس، وكان عمدة باريس. فأجاب: إنه من الضواحي، ريفي. أي إن الذهنية القروية أو الفلاحية حاضرة في كل العالم .لكن ذهنية ريفية في حقل ثقافة فرنسية وديمقراطية فرنسية تختلف عن ذهنية ريفية في حقل ثقافة عربية سورية أو يمنية أو. أو…». لكن المفكر برقاوي، ومحاوره كذلك، لم يقل أي أثر للذهنية الريفية في سلوك حكم عمدة باريس ورئيس فرنسا تالياً. هل طغى؟ هل أفسد؟ هل سعى للانتقام من المدينة؟ لقد اكتفى أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق لسنوات وسلّم بعبارة محاوره «إنه من الضواحي، ريفيّ». ساقها كما لو أنها تفصل وتحسم. لكن العبارة من دون تفسير ستكون أقرب إلى شتيمة عنصرية. كأن المدينية تأتي في الجينات. أن تولد ريفياً فهذه وصمة لن يمحوها حتى أن تكون عمدة لمدينة المدن!
أراد برقاوي أن يستعمل أحد مصطلحات علم الاجتماع كشتيمة عنصرية وحسب، من دون ملاحظة أن الشتيمة نفسها يمكن أن تطال أيضاً جموع الثوار السوريين الذين يتحدّر معظمهم من الريف، هؤلاء الذين صنعوا أجمل ثورات الربيع العربي، أجمل ثورة في دنيا العرب. إن بيانات علم الاجتماع تقول كذلك إنها ثورة أبناء الريف، تلك التي وضعت على الخارطة أمكنة لم نكن نسمع بها من قبل، لعل بعضها، مثل كفر نبل، هو ما يزودنا بالحجة الكافية لنحتفظ باسمها كثورة، رغم كل ما حلّ بها من مصائب. لقد بات الريف رعباً حقيقياً للنظام، بسلميته، ووروده المرفوعة في وجه القتلة قبل أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، إلى حدّ بات لسان حال الشبيحة يقول «نحلم بدمشق من دون ريف».
قد يكون الفصل تعسفياً حين نتحدث عن الثورة السورية بين الريف والمدينة، وربما يكون من غير المجدي هذا النقاش حول من أين بدأت الثورة، ومن صنعها، وما هي حصة الريف والمدينة فيها. ولو أن العلوم الإنسانية مطالبة بالتفسير (لماذا مثلاً تأخرت دمشق وحلب عن ركب الثورة؟)، وبالتأكيد ليس على سبيل الشتيمة العنصرية. ولكن هل تكفي نظرية «الذهنية الفلاحية والريفية» تفسيراً وحيداً لطغيان النظام السوري وتوحشه؟ حسنٌ. كيف تفسر علاقة النظام «الريفي» مع تجار المدن، الذين مهدوا لهم أرض الحكم خلال خمسة عقود؟ هل أجبروا على ذلك، لماذا لم تدفعهم ذهنيتهم المدينية إلى التوقف عن دعم النظام حتى في عزّ توحشه؟ 
لكن دعنا قبل كل ذلك نتحدث عن سلوك المثقف المديني (شبعنا من التنظير حول المثقف الريفي). لقد كان المثقف المديني قبل سواه مهرجاً عند أولئك «الريفيين»، وهو قبل تجار المدن كان الجرافة التي مهدت لهذا الطغيان الواسع. هذا ما يحتاج حقاً إلى بحث واسع ومستفيض. حتى لو قلنا إن هؤلاء قد أُجبروا على الغناء، ما الذي أجبرهم على التجويد إلى هذا الحدّ!